"الخيط الرفيع"
لم يكن "ساهر" يؤمن بالخرافات، لكن الشقة الجديدة في الطابق الثاني عشر كانت تملك وسيلة غريبة لجعله يعيد التفكير. كانت شقة واسعة، باردة بشكل غير طبيعي مهما بلغت حرارة الصيف، وبسعر بخس لا يعقل.
في الليلة الثالثة، وبينما كان يغط في نوم عميق، استيقظ على صوت "خربشة" رقيقة. صوت يشبه ملامسة أظافر طويلة لورق حائط قديم. تكرر الصوت بانتظام: خـش.. خـش.. خـش.
فتح عينيه ببطء، وكان أول ما رآه هو خيط أسود رفيع يتدلى من سقف الغرفة، مباشرة فوق وجهه. ظنه في البداية خيط عنكبوت، لكن الخيط كان يتحرك للأعلى والأسفل كما لو كان "يتنفس".
المواجهة الصامتة
تسمر ساهر في مكانه. لم يستطع حتى أن يرمش. مد يده ببطء شديد ليشعل مصباح الكومودينو، وما إن أضاء النور حتى انكمش الخيط بسرعة البرق واختفى في شق صغير بالخشب الموجود في السقف.
مرت ساعة.. ساعتان.. والهدوء يسود. قال لنفسه: "إنه مجرد تعب، ربما تخيلات من أثر الانتقال".
قرر أن ينام، لكنه قبل أن يغمض عينيه، شعر بشيء دافئ ولزج يسقط على جبهته. مسحه بيده، ليتفاجأ بلون أحمر قانٍ. نظر إلى السقف، ولم يجد شقوقاً هذه المرة. وجد شيئاً أسوأ بكثير.
الحقيقة المظلمة
السقف لم يكن خشباً كما اعتقد، بل كان مغطى بالكامل بآلاف الخيوط السوداء المتداخلة التي بدأت تنفصل عن بعضها البعض. لم تكن خيوطاً.. كانت شعراً بشرياً طويلاً جداً.
ومن بين هذا الشعر، بدأت تظهر ملامح وجه شاحب، مقلوب، عيناه فارغتان تماماً، وفمه مفتوح على اتساعه كأنه بئر بلا قاع. لم يصدر الكائن صوتاً، بل بدأ ينزلق بهدوء من السقف، والشعر يلتف حول عنق ساهر برقة غريبة، كأنه يواسيه قبل أن يخنقه.
حاول ساهر الصراخ، لكن الشعر دخل في فمه ليملأ رئتيه. آخر ما رآه قبل أن يظلم العالم هو انعكاسه في المرآة: لم يكن هناك كائن فوقه.. بل كان هو من يتدلى من السقف، بينما الجسد الذي كان مستلقياً على السرير ينهض ببطء، ويمسح جبهته من الدم، ويبتسم.
تعليقات
إرسال تعليق